أحمد بن علي القلقشندي

129

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والعاطفين على الصّديق بفضلهم والطَّيّبين روائح الأثواب ولئن جحدتهم الثّناء فطالما جحد العبيد تفضّل الأرباب ! فلما سمعت منه ذلك ، وأعجبني من الوصف ما هنالك ، دنوت منه دنوّ الواجل ، وجلست بين يديه جلوس السّائل ، وقلت : هذه وأبيك صفات الملوك بل ملوك الصّفات ، وأكرم الفضائل بل أفضل المكرمات ؛ ولم أك أظنّ أنّ للكتابة هذا الخطر الجسيم ، وللكتّاب هذا الحظَّ العظيم ؛ فأعرض مغضبا ، ثم فوّق بصره إليّ معجبا ، وقال : هيهات فاتك الحزم ، وأخطأك العزم ؛ إنها لمن أعظم الصّنائع قدرا ، وأرفعها ذكرا ؛ نطق القرآن الكريم بفضلها ، وجاءت السّنّة الغرّاء بتقديم أهلها ، فقال تعالى جلّ ثناؤه ، وتباركت أسماؤه : * ( اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) * ( 1 ) فأخبر تعالى أنه علَّم بالقلم ، حيث وصف نفسه بالكرم ، إشارة إلى أن تعليمها من جزيل نعمه ، وإيذانا بأن منحها من فائض ديمه ؛ وقال جلَّت قدرته : * ( ن والْقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) * ( 2 ) فأقسم بالقلم وما سطَّرته الأقلام ، وأتى بذلك في آكد قسم فكان من أعظم الأقسام . وقال تقدّست عظمته : * ( وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ ) * ( 3 ) فجعل الكتابة من وصف الكرام ، كما قد جاء فعلها عن جماعة من الأنبياء عليهم السّلام ؛ وإنما منعها النّبيّ ، صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، معجزة قد بيّن تعالى سببها ، حيث ذكر إلحادهم بقوله : * ( وقالُوا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها ) * ( 4 ) . هذا : وقد كان النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في كثرة الكتّاب راغبا ؛ فقد روي أنه كان له عليه أفضل الصّلاة والسّلام نيّف وثلاثون كاتبا ، هم نخبة أصحابه ، وخلاصة

--> ( 1 ) العلق / 3 ؛ 4 ؛ 5 . ( 2 ) القلم / 1 ؛ 2 . ( 3 ) الانفطار / 10 . ( 4 ) الأنعام / 25 .